ورؤيتي للمسألة:

أن كل جديد يتعلق به الناس، فعندما وجدت البرمجة سارع إليها الناس وانساقوا وتعجب عندما تعلم أنها حديثة لم يمض على ظهورها في الغرب إلا قرابة الثلاثين عاماًً فقط، ولم تؤصل علمياًً وغزت مجتمعنا بهذه السرعة الهائلة!!! أعزو تفسير هذا إلى أنه أمر جديد فيه بعض الطروحات التي قد يغفل عنها البعض فمن يحضرها يتداعى مع غيره للحضور وهكذا.

ومن المعلوم المعروف علمياًً واجتماعياًً وتاريخياًً أنه من خلال الزمن تظهر الحقائق، وهذه عُرفت لدى كل المجتمعات حتى إن المشركين عندما ظهر فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكانوا يكذِّبونه، وكان كثير منهم يعتقد أنه غير صادق فكانوا يقولون:] تربصوا به [أي أنه كاذب – هكذا يزعمون وحاشاه- فمع الزمن سيظهر كذبه من صدقه.

فبالتربص زمناً ينكشف أمر من يأتي ويخدع الناس بحجج أو ببعض أفعال، فإنه في النهاية يظهر الحق، وتنكشف الأمور، أقول: هذه البرمجة بدأت تتكشف ... أُخذت في البداية على أنها دورات يسمع فيها الإنسان شيئاًً جديداًًً، وهي الآن تلفت انتباهنا لفحصها والنظر فيها، كما حكى لي أحد الأساتذة عن دورة تربوية قدمت للقضاة تبين حاجة الأبناء والمتحدثين للاهتمام والاستماع لرأيهم حتى إن أبناءك الصغار قد يمسكون بوجهك ويجذبونك بقوة لتسمع لهم وتلتفت إن لم تعطهم اهتمامك ابتداءً.

وأمر آخر، وهو أن التركيز على خلفية العلوم الحقيقية أمر يجب ألا يغفل عنه، فعندما نعرف أن هذه البرمجة ابتدأت مع أصول الانحراف عند فرويد وعند فلان وفلان من الموصوفين بالمكر والمخادعة، يجب أن نعيد النظر فيها ونفحصها ولا يشتبه علينا قول " خذ الحق ولو من الكافر" فنحن نأخذه نعم إذا كان حقاًً والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال في قصة الغول المشهورة: "صدقك وهو كذوب" لأن الشيطان قال حقاًً وهو آية من كتاب الله عز وجل. لكن الرسول عندما أتاه عمر رضي الله عنه بقطعة من التوراة فيها عن بني إسرائيل ما هو حق وفيها ما هو ليس بحق، كما هو معلوم في الروايات عن بني إسرائيل فقال: " أفي شك أنت يا ابن الخطاب، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني". وهنا أطرح سؤالا: هل فعلا هذه البرمجة العصبية تعتبر فناًً جديداًً سيستفيد منه المسلم فائدة تفوق ما علمه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما ينبثق عنهما مما كتبه علماء المسلمين؟ يجب أن نسأل أنفسنا هذا السؤال وإلا فما فائدة أن نكون أمة إسلامية! فنحن نعلم أن الدين ليس بينه وبين العلم المادي صراع، بل إن أكبر معطيات الصحوة الإسلامية أنها خرجت على يد من كانوا يسمونهم "الأفندية" وهم الذين تخرجوا هناك في الغرب وفي أدق التخصصات ولم يجدوا تعارضاًً بين ما درسوه والدين، فمنهم من حمل المنهج السلفي في الاعتقاد أو المنهج المدلل عليه من الكتاب والسنة وحمل صفاء الدعوة إلى العقيدة والشريعة. كان كثيرون يظنون الصحوة ستخرج من المساجد والمشائخ أو الطرق الصوفية فإذا بها تأتيهم ممن درس في الجامعات الغربية والعالمية.

فالقضية واضحة في الاستفادة من العلوم الغربية كعلم النفس والاجتماع ومما قد يكون في البرمجة، ولكن يجب ألا تقبل في إطارها، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه إن في هذه التوراة كذا وكذا فهو حق فاقرأه. لا بل نهاه. والبرمجة من مشكلاتها أنها برنامج متكامل الذي يأخذ مستوى يريد ثانياً وثالثاً ... ثم تنتهي إلى نهايات خطيرة.

والأمر الثالث: أننا عندما نحكم على شيء ينبغي أن نلتفت إلى الظواهر المصاحبة له فمع البرمجة أصبحنا نسمع عن المشي على الجمر، وعن قدرة رجل نحيل عن حمل رجل كبير ضخم، وعن إمكانية حمل رجل ثقيل بالاعتماد على الأصابع فقط، وعن ... وعن ... ويجب على كل من عنده غيرة على دين الله تعالى أن يستنكر ويصرخ بقوة ليحذّر الناس، وأنا أحيي وأشكر كل من حذر بقوة مع اعترافنا بحسن النية للآخرين، ولكن عندما يأتي السيل الجارف فيجب أن يقابل بما يوازيه وهذا من حسن النصح.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015