الله خيراً- إلى النظر ببصيرة في الأفكار والنظريات الوافدة بعين التأصيل الصحيح لا "الأسلمة المتعسفة " فما كان منها له أصل في ديننا حقيقة أخذوا الأصل وأبرزوه وقعّدوا قواعده، ومالم يكن له أصل نظروا فيه وفرقوا بين مالم يكن متعارضاً مع الدين، وبين المعارض المخالف له.

والناس من القديم يغترون ببعض الحق المبثوث في الباطل وينخدعون به، فينبري له بعض المتحمسين ثقة بقدرتهم على استخلاص الحق أو أسلمة الباطل، فقد حدث مع الأفكار الوافدة من المنطق اليوناني من قبل قال ابن تيمية: " كتب المنطق اليوناني فيها من الباطل والضلال شيئ كثير، ومن المسلمين من اتبعها مع ما ينتحله من الإسلام وهم الفلاسفة، ومنهم من لم يقصد اتباعها ولكن تلقى عنها أشياء يظن أنها جميعها توافق الإسلام وتنصره. وكثير منها تخالفه وتخذله مثل أهل الكلام. ومنهم من أعرض عنها إعراضا مجملا، ولم يتبع من القرآن والإسلام ما يغني عن كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدهم الجهاد المشروع فهذا حال كثير من أهل الحديث والفقه " [9] والصواب أن يجاهدوا الجهاد المشروع، وينصحوا بنبذ الباطل والإقبال على المنبع الصافي من كتاب الله وسنة رسول الله، وقد كان ابن تيمية يرحمه الله إمام في هذه الطائفة المجاهدة.

قولهم: إنما الأعمال بالنيات، ونحن حتى لو طبقنا تطبيقات غير مشروعة أو شابهنا أهل الجحيم في شيء فنحن لا نقصد ذلك ولا نريده فلن تضيرنا مشابهتهم:

الحديث المستدل به صحيح ولكن الاستدلال خاطئ والقياس فاسد، والشبهة قوية. فمن المعلوم أن قوام الأعمال على النيات المنعقدة عليها، وأمر النية خفي يحتاج إلى صدق وبصيرة، ومن وجه آخر فالعلاقة بين أعمال القلوب وعلى رأسها النية وبين الأقوال والأفعال الظاهرة قد تشكل على كثير من الناس فلا يقول عاقل بأن كلمة الكفر أو مقارفة أعمال الشرك – من غير إكراه- أمر سائغ جائز إن لم تصاحبه نية الكفر والشرك. والقول بهذا يفتح بوابة الشرك على مصراعيها وينصر القول الشعبي البدعي: "المهم مافي القلب، والظاهر قشور "، وقد كان عند المشركين نية حسنة عندما عبدوا غير الله وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فهل يقبل عملهم على أساس نيتهم؟

إن أعمال الظاهر من أقوال وأفعال لها أهميتها وأحكامها في الشريعة كما أن للباطن وأعمال القلوب أهميته وأحكامه، ومن هنا كانت أهمية اعتبار فهم السلف الصالح للنصوص وتطبيقهم لها حتى لا تشتبه الأمور لا سيما مع هوى النفوس ورين القلوب فتقود إلى خلاف ما تدعو إليه النصوص الكريمة في حقيقتها ولا ننسى أن معظم أهل البدع قد استدلوا بالنصوص على بدعتهم على أفهامهم السقيمة.

قولهم: أفتى بجوازها بعض أهل العلم، ويدرب على تطبيقاتها بعض من ظاهرهم الصلاح والله حسيبهم:

لرد هذه الشبهة لابد أن نتذكر فردية التبعة بين يدي الله سبحانه وتعالى: "إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب" فكلٌ يؤخذ منه ويُردّ إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، كما نتذكر أنه عليه الصلاة والسلام كان يحذر من الأئمة المضلين، وقد يكون هناك مضلين وإن لم يكن إضلالهم عن سبق قصد ونية سوء، وإنما ضلوا هم فأضلوا من بعدهم؛ فالباطل كثيراً ما يلبس لبوس الحق فيخفى على الناس ويشتبه عليهم وقد دخل سابقاً كثير من أهل العلم والصلاح في متاهات المنطق، ودروب التصوف الغالي وغيره فمنهم من هلك في تلك الدروب ومنهم من رجع وتاب، ومنهم من نجا ولكن ببعض اللوثات. ثم أن الفتاوى لا تحلل حراماً ولا تحرم حلالا، والفتوى تخضع لتصور الأمر وهذه أمور مشتبهة ملتبسة متلونة مما جعل الفتوى بشأنها غير مستوفية الشروط عند الكثير من أهل العلم والفقه وهذا ما جعل لا أدري هي أكثر ما قيل في إجابة الاستفتاءات حولها.

وختاماً أذكّر المفتونين بهذه الوافدات بتذكرة قيّمة من كلام شيخ الإسلام: المخالفة تجر أولا للبدعة والضلال وآخراً إلى الكفر والنفاق ويكون لصاحبها نصيب من قوله تعالى: "ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا". وأذكرهم بأن مطلبهم لخير الدنيا والآخرة الذي ينشدونه؛ وصفته الصادقة إنما هي ما أمرهم الله به؛ فمن أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية، ومن أراد السعادة الوهمية فدونه فلسفات الطاقة الكونية وتقنيات البرمجة العصبية.

المصادر:

1. مجموع الفتاوى (13/ 259)

2. مجموع الفتاوى (13/ 135)

3. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ص234.

4. هذا النص والنصوص أعلاه من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ص211.

5. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 224.

6. ذكره الرازي في المحصل ص156 في معرض رده على منكري النبوات.

7. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 259).

8. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 483.

9. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (9/ 266).

[من موقع فوز كردي]

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015