الحق أن كثيراً مما في هذه الأفكار وتطبيقاتها يتعارض مع الدين وينقضه وإن اشتبه على بعض الناس، كما أن فيه بعض ما يتوافق مع الدين إذ أن العقل الصحيح – كما هو معلوم- يمكن أن يوصل إلى الحق في عالم الشهادة، ولكنه لايوصل إلا إلى حق مجمل في عالم الغيب. فما كان في هذه الأفكار من موافقة للدين فهي من باب دلالات العقل الصحيحة في أمور عالم الشهادة، والمسلم المستضيئ بنور الله يُعمل عقله في أمور الحياة – عالم الشهادة- التي لم يأت بتفصيلها الوحي وندبه على التفكير فيها، ولكنه لايعدل عما جاءه عن الله بالوحي؛ فالنقل عنده مقدّم على العقل، ناهيك عن احتمال ضعف العقل وفساد دلالته، ومن هنا كان شعور المؤمن بنعمة الرسالة عظيم فإرسال الرسل يغني العقل عن مخاطر التجربة في الواقع، في معرفة الضار والنافع من الأغذية والأدوية [6] وغيرها، ولذا كان التوجيه الرباني: " فاستمسك بالذي أُوحي إليك" والتوجيه النبوي: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي"، ومن نور هذه المشكاة كانت وصية السلف رضوان الله عليهم: "على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يجتهد في أن يعرف ما أخبر به الرسول وأمر به علماً يقينياً، وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول، فإن مثل ذلك مثل من كان سائراً إلى مكة في طريق معروفة لا شك أنها توصله إلى مكة إذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها، وهذا مثال من عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لايدري هل يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ذلك.وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة. فإن هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد وعمرو كائناً من كان فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رأيت في هذا الباب من عجائب الأمور مالا يحصيه إلا العليم بذات الصدور " [7]

ثم أننا لو سلمنا جدلا بأنها تتوافق مع الدين فأخذ التطبيقات والتدريبات والألفاظ والمصطلحات منها لا من الدين استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعدول عن المشروع إلى غير المشروع؛ فتعتاده النفوس وتأخذ حظها منه وقد تستغني به عن المشروع وذلك هو الخسران المبين قال شيخ الإسلام: (من شأن الجسد إذا كان جائعاً فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع؛ فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه، ويكمل إسلامه) [8].

تذرعهم بدعوى "الأسلمة " فيقولون نحن "نُفلتِر" هذه الوافدات وننقيها، ونأخذ الصحيح منها مع الاستدلال عليه بالآيات والأحاديث، وهذا الصحيح إنما هو من ديننا أصلا ولكننا غفلنا عنه:

لابد أن نفرق بين ما يمكن " أسلمته" وبين ما لا يمكن، فلا يقول عاقل مسلم بأننا يمكن أن نؤسلم النصرانية، واليهودية، والبوذية والطاوية، ويمكن أن ننقي عقيدة التثليث من الدخن، ونقبل من عقيدة التثنية بعض تطبيقاتها، فالعقائد المنحرفة ترفض ولا يقبل فيها ترقيعاً وإنما تكون أسلمتها الصحيحة – إن صح التعبير– برفضها وأخذ الإسلام الصافي الذي قد توافقه في بعض أفكارها، بخلاف مالو قلنا: سنؤسلم الفضائيات فنوجد قنوات فضائية كغيرها ولكنها على منهج الإسلام تسير في فكرها ووسائلها. أو لو قلنا: سنؤسلم نظريات الإدارة، وتقنيات الإقناع؛ فنرفض منها ما يخالف الدين منها، ونقبل ما لا يتعارض مع الدين فيكون مما يرفض مثلا: تقنيات الإدارة التي تقود لعبودية المرؤوسين للرؤساء، أو وسائل الإقناع والتأثير التي ينتج عنها التغرير بالمستهلكين وخداع المفاوضين وغير ذلك. ولهذا ينادي كثير من العلماء المسلمين في علم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيره بما أسموه "أسلمة المؤسلمين" لما رأوا من جرأة في الاستدلال بالنصوص على غير مرادها الحقيقي وما يتبعه من تسويغ للضلالات. وقد سعى كثير منهم – جزاهم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015