هذه الجملة جزء من حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة تأبير النخل المشهورة، وفهمها ينبغي أن يكون في ضوء القصة وسياقها لا بحسب الهوى والرغبة، فأمور دنيانا هي أمور صناعتنا وزراعتنا وسائر الأمور المتعلقة بالأمور الدنيوية البحتة من إدارة، وتخطيط، وتكنولوجيا، ومواصلات، واتصالات، وتقنيات، ونحوها، أما أمور تربية ذواتنا وتزكية أنفسنا، وتهذيب أخلاقنا، وسمو أرواحنا فهي من الأمور الدينية التي بعث الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم بمنهج كامل شامل نافع، والقول بغير هذا ينبع من غفلة عن كنوز الوحيين أوحصر لمفهوم الدين في الشعائر التعبدية. قال ابن تيمية موضحاً هذه الأمر: "وقد يكون علم من غير الرسول لكن في أمور دنيوية مثل: الطب والحساب والفلاحة والتجارة وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها مأخذه عن الرسول، فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم في تعريف الخلق بها وأقدرهم على بيانها وتعريفها " [2].وقد قال جلّ من قائل سبحانه ممتناً على الأمة بنعمة الدين الخاتم: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"، وهي آية قالت اليهود عنها للمسلمين: إن في كتابكم آية لو أنزلت علينا معشر يهود لاتخذنا يوم نزولها عيداً، وما ذاك إلا لدلالتها على عظمة هذا الدين وكماله المطرد في جميع جوانب الحياة واصطفاء الله له على سائر الديانات.

استدلالهم بالقول المشهور: اطلبوا العلم ولو في الصين:

وهذا القول من الحكم المتداولة، ومعناه صحيح فالعلم يؤخذ من أي مكان والرحلة في طلب العلم رحلة مباركة، ولكن لابد من وضع ضابط يضبط "العلم"، فليس كل علم يدرس ويؤخذ، بل لابد أن يكون علماً نافعاً صحيحاً، وألا يكون علماً محرماً في ذاته (مثل الماورائيات والميتافيزيقيا (الغيب)، أوالسحر، والكهانة والعرافة وغيرذلك)، أومحرم لما يجر إليه من مفاسد أو صدّ عن ذكر الله عز وجل، قال بعض أهل العلم: " علم لا يقربك إلى الله لن ينجيك غداً من جهنم ". وواقع كثير من هذه العلوم الوافدة لايخرج عما ذُكر إلا قليلا؛ فما يسمى بالطاقة وتطبيقاتها وتفريعاتها ماهو على الحقيقة إلا جهل، وتخرص وضلالات، وإن احتوى على شيء من الحق في ثناياه -كما ثبت بتقصي أصوله وفروعه وتطبيقاته في هذه الدورة العلمية – فغالبه مخالف لصحيح النقل ولصريح العقل، فهل بعد هذا يسمى علماً ويطلب من أصقاع المعمورة!

تذرعهم بـ: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها:

وهذا كلام حق ولكن ينبغي أن يفهم فهماً صحيحاً، فلابد من عرض هذه الأفكار الوافدة ومعتقداتها وتطبيقاتها على معنى الحكمة الصحيح في ديننا؛ فما كان موافقاً للكتاب والسنة بفهم صحيح وقياس مستقيم لا بتعسف وتأويل باطل؛ كان حكمة حقاً، وليست الحكمة هي أقوال وأفعال شاعت تسميتها بالحكمة عند من لقبوا النساك والرهبان بل وبعض المجاديب بـ"الحكماء الأوائل"!

فالحكمة ضالة المؤمن حقاً وسيجدها حتماً إذا أقبل على مصادر الحكمة الصحيحة: كتاب الله وسنة رسول الله. أما الضلالة فليست ضالة المؤمن أبداً، بل هي ما يحذره ويتوقاه، والعبرة بحقائق الأمور لا بالدعاوى القائمة عليها ولن تكون الضلالة حكمة لمجرد تسميها باسمها وتوشحها بلباسها، فالحكمة ما أثبت النقل الصحيح أو العقل الصريح أنها حكمة حقاً، أما زبالة الأذهان، وآراء الضالين، وفلسفات المغضوب عليهم فليست حكمة بحال!! ولنا في الصالحين أسوة، قال أبي سليمان الدراني: إنه لتقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.

قولهم: الأخذ بالأسباب عبادة، وما هذه الأمور إلا أسباباً نعبد الله بالأخذ بها:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015