نصَّ مُحَمَّدُ بنُ عبد المنعم الحميري في (الروضِ المعطار) أنها من بلاد طيء كما سبق. وقال ياقوت الحموي: (تنغة بضم أوله، والغين معجمة، ماء من مياه طيء، وكان منزل حاتم الجواد، وبه قبره وآثاره، وفي كتاب أبي الفتح الإسكندري قال: وبخط أبي الفضل: تنغة منهل في بطن وادي حائل، لبني عدي بن أخزم، وكان حاتم ينزله) (21).

قلت: تنغة هي الأرض المنبسطة في الشمال الشرقي من أجا إلى التصاقها بالنفود أو موضعٌ من ذلك، وهي منازل عدي بن أخزم قوم حاتم الطائي، وهو اسمٌ مندثرٌ الآن، لكن نص أبي الفتح الإسكندري المتقدم على أنَّ تنغة منهلٌ في بطن الوادي من حائل، والوادي ينحدر من حائل في اتجاه الشمال الشرقي إلى بقعاء (اللِّوَى). فمدلولات نصوص المتقدمين على أنّ تنغة ليست قرب الجبل قرباً يلتصق به أو يكون بقدر قرب أظايف منه، فأظايف على مغرب الشمس من تنغة كما قال ياقوت. والذي أميل إليه إلى أنَّ بلدة الخطَّة وما وراءها من أرضٍ منبسطة هي تنغة المقصودة في كلام المتقدمين والله أعلم.

عُوَارِض

بضم أوله وفتح ثانيه فألفٌ ثم راء مكسورة، جبل في بلاد حائل، يقول البكري: (في شق غطفان، وقد تقدم ذكره في رسم ضرغد وفي رسم الأصفر، وقال الشمَّاخ:

تربَّع من جَنبَي قناً فعُوارضٍ

نتاج الثُّريَّا نوءها غير مُخدج

وقال أبو رياش عوارض: جبل في بلاد طيء، وعليه قبر حاتم وهذا هو الصحيح، وقال أوس بن حجر:

فخُلِّيَ للأذواد بين عوارض

وبين عرانين اليمامة مرتعُ) (22)

وقال ياقوت الحموي: (اسم علم مرتجل لجبل ببلاد طيء، قال العِمراني أخبرنا جارُ الله - أي الزمخشري - أن عليه قبر حاتم طيء، وقيل: هو لبني أسد، وقال الأبيوردي: قناً وعوارض جبلان لبني فزارة، وأنشد:

فلأبغينكم قَنَا وعُوارضاً

والصحيح أنه ببلاد طيء، وعوارض جبل أسود في أعلى ديار طيء وناحية دار فزارة، وقال البرْج بن مسهر الطائي:

إلى الله أشكو من خليلٍ أودُّهُ

ثلاث خلال كلها لي غائضُ

فمنهن أن لا تجمع الدهرَ تلعةٌ

بيوتاً لنا يا تلعَ سيلُك غامض

ومنهن أن لا أستطيع كلامَهُ

ولا وُدَّه حتى يزول عوارضُ

ومنهن أن لايجمع الغزو بيننا

وفي الغزو ما يُلقي العدو المباغضُ

ويروى لمجنون ليلى:

ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا

لطول التنائي هل تغيرتا بعدي) (23)

إنَّ تحديد جبل عُوَارض في أخبار المتقدمين مُشْكِلٌ، بَلْ يَصِلُ إلى حَدِّ التَّعَارُض، فالبكري نقل عن أبي رياش أنه في بلاد طيء، وقبل ذلك قال إنه في شق غطفان، ويمكن الجمع بين ذلك بأنه قد يكون بينهما، لكنه نقل قبل ذلك في رسم ضرغد عن ابن الأنباري أنه جبل لبني أسد، ومعلوم أن طيء وغطفان وبني أسد متجاورات، لكن أين يقع عُوَارض منهنّ؟ فلا يمكن أن نجمع بين هذا التعارض إلا إذا قلنا إن هناك أكثر من جبل يقال له عُوَارض، ومثل ذلك نقل ياقوت الحموي ورجَّح أنه في بلاد طيء وهو رأي نصر.

وإليك ما قاله الشيخ حَمَد الجاسر: (وعوارض جبل لا يزال معروفاً ولكن بعضهم ينطقه عويرض، توهّماً أن الألف فيه على لهجة أبناء البادية كما في مثل (فاصل) (وسلامان) في فيصل وسليمان، وهو جبل مستطيل شامخٌ أسود، يقع في مهب الشمال من أجا على مقربة من توران يبعد عن مدينة حائل بما يقرب من 45 كيلاً، ولكن هذا الجبل يعتبر امتداداً لسلة جبال أجا، فهو ليس في بلاد غطفان، ولعل هذا الاسم يطلق على جبلين أو أكثر) (24)

وساق الأصفهاني في (بلاد العرب) قول الشاعر:

كأنها وقد بدا عُوَارض

والليل بين قنوين رابض

بعد أن ذكر موضع قنا وأنها بأرض غطفان، وفي بيت الشمّاخ دليل على أنه قريب من قنا في أرض غطفان - قرب السليمي الآن -، وحيث يذكر قنا يذكر عُوارض. والجبل الآخر الذي يطلق عليه عويرض والذي ذكره الشيخ حمد الجاسر يقع غرب توران - الذي فيه قبر حاتم المُدَّعى الآن - في شمال أجا، فالآتي من النفود باتجاه الجنوب يعترض أمامه من أجا جبل كبير يُسمَّى عويرض، عليه أودية منها شوط الذي ذكره امرئ القيس بقوله:

فهلْ أنا مَاشٍ بيْنَ شُوطٍ وحيَّةٍ

وهَلْ أنا لاقٍ حَيَّ قَيْسَ بن شمرا

فعويرض موضعٌ لقيس بن شمَّر وليس لعدي بن أخزم قوم حاتم. بعد هذا يتبيَّن لك أخي القارئ الخلاف في جبل عوارض، ونسبته للقبائل المتجاورة، والذي أرجحهُ ما يلي:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015