التوبة، عند قوله تعالى:} رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ {()، وإذا كان ذلك كذلك؛ فالمراد بالبواقي: سائر الدفعات، أي يخرجون في سائر الدفعات من عرفوا، لا سائر من كان في قلبه هذا القدر من الإيمان، فتأمل.

وقد ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن شفاعته لمن لا يشرك بالله شيئًا من أمته، أو لأهل الكبائر من أمته، ومعلوم أن شفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في غير من يخرجهم الله عزوجل بالقبضة، ومعلوم أيضًا أن من يخرجون بالقبضة ليسوا بمشركين، وإنما هم أصحاب كبائر، وكذلك من يشفع فيهم غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أصحاب كبائر، ليسوا بمشركين، فعلم أن حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من العام الذي يراد به الخاص، وكذا أكثر أحاديث الشفاعة من هذا الصنف، أو أنها مختصرة، قد سيقت سياقًا أطول في موضع آخر، والله أعلم.

7 - شفاعة المؤمنين في إخوانهم الذين يعرفونهم، مقدمة على شفاعة الأنبياء عليهم السلام في إخراج بعض من دخل النار، كما في حديث أبي سعيد، الطريق (ز) وكذلك فهي مقدمة على من يخرجه الله عزوجل بالقبضة بعد ذلك، وهذا أمر مشهور في كثير من الروايات، ولا يعارض هذا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: "أنا أول شافع، وأول مشفع" لأن هذا محمول على الشفاعة العظمى، وهي أولى الشفاعات، وظاهر كلام ابن خزيمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أول من يشفع في إخراج بعض الموحدين من النار، فيكون الترتيب على ذلك: أولاً شفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ثم شفاعة المؤمنين من هذه الأمة، ثم شفاعة سائر النبيين عليهم السلام، ثم من يخرج بالقبضة، هذا على ما يظهر من كلام ابن خزيمة، وإلا فإن الأمر يحتمل غير هذا، لكني لما لم أكن متأكدًا من ذلك؛ فالأخذ بطريقة بعض أهل العلم أولى، والله أعلم.

8 - وقد ذكر ابن خزيمة أن الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، والذي له في الجنة عشرة أمثال الدنيا كما في حديث أبي سعيد أنه يخرج من النار بعد تعذيبه على عمله، لا بشفاعة أحد، وأن الذين تخرجهم الشفاعات، يدخلون الجنة قبله، ثم بعد ذلك؛ يخرج الله مِنَ النار، مَنْ أمر الله الملائكة بإخراجهم، وفيهم آثار السجود قبل القضاء بين جميع الناس، انظر "التوحيد" (2/ 762،751 - 763) فهذا الرجل: إن كان بالنظر إلى أنه آخر أهل الجنة دخولاً فيها، فيحتمل أنه خرج قبل أهل القبضة، لكن بقي وقتًا بين الجنة والنار، كما تشهد بذلك الروايات، ثم يدخل الجنة بعد أهل القبضة، لأن بعد إخراج أهل القبضة؛ يفرغ الله عزوجل من القضاء بين العباد، وتُغْلَق النار على أهلها، الذين هم أهلها، والعياذ بالله، وإن كان بالنظر إلى رواية أنه: "آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولاً فيها" فإن كان ذلك بعد أهل القبضة، كما هو ظاهر حديث أبي هريرة؛ فيحمل على أنه آخر من خرج بدون شفاعة أو قبضة، كما أشار لذلك ابن خزيمة في "التوحيد"، إنما خرج زحفًا بعد استيفاء ما قضي الله به عليه من العذاب والعياذ بالله ولو فرضنا أنه خرج قبل أهل القبضة، وبعد أهل الشفاعات؛ فإنه يتأخر بين الجنة والنار، حتى يدخل أهل القبضة، فالأمر محتمل، وهو إلى خروجه بعد أهل القبضة؛ أقرب، لما سبق، وليس في هذا معارضة لما تقرر، من كون أن أهل القبضة آخر من تدركهم الرحمة، لأن هذا الرجل يخرج من النار، بما بقي له من صالح عمله، لا بشفاعة مخلوق، ولا بقبضة، والله أعلم.

9 - أن الذين يخرجهم المؤمنون من النار، يُعرفون بصورهم، لا بآثار السجود، كما يظهر من حديث أبي سعيد، الطريق (أ، ب،ز، ح)، وأما من يخرجون وفيهم آثار السجود، ولم تأكلها النار، فهم الذين أمر الله عزوجل الملائكة بإخراجهم، كما في حديث أبي هريرة الطريق (أ، ب) وهؤلاء في الراجح هم الذين تخرجهم القبضة، والله أعلم.

10 - الذين يُسَمَّوْن "عتقاء الرحمن" أو "عتقاء الله" أو "عتقاء الجبار"، هم الذين تخرجهم القبضة، أو يخرجون برحمة الرب عزوجل، لا بشفاعة مخلوق، كما في حديث أبي سعيد الطريق (أ) وحديث أنس الطريق (ب)، وحديث جابر الطريق (ج) وفيه لين، إلا أنه يتقوى بغيره في ذلك، والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015