وعلي بن المبارك، قد تكلم فيه بعضهم فيما رواه خاصة عن يحيى بن أبي كثير، وذلك لأنه كان له عنه كتابان، أحدهما سماع منه، والآخر مرسل عنه. ولكن المحققين من الحفاظ قد وضعوا قاعدة في تمييز أحد الكتابين عن الآخر، فقال أبوداود لعباس العنبري:

((كيف يعرف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه عن عكرمة من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع)).

وقال ابن عمار عن يحيى بن سعيد:

((أما ما روينا نحن عنه فمما سمع، وأما ما روى الكوفيون عنه فمن الكتاب الذي لم يسمعه)).

وهذا هو الذي اعتمده الحافظ، فقال في ((التقريب)):

((كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء)).

على أن ابن عدي قد أطلق الثقة في روايته عن يحيى فقال في ((الكامل)) (ق192/ 1) بعد أن ساق له بعض الأحاديث:

((ولعلي بن المبارك غير هذا، وهو ثبت عن يحيى بن أبي كثير، ومقدم في يحيى، وهو عندي لا بأس به)).

إذا عرفت هذا، فقد خالفه عمر بن راشد إسناداً ومتناً، فقال: عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به إلا أنه قال:

((المستهتر في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً)).

أخرجه البيهقي والترمذي (2/ 279) وقال:

((حديث حسن غريب)).

وأقول: بل هو منكر ضعيف، فان عمر بن راشد وهو أبو حفص اليمامي مع أنه ضعيف اتفاقاً، فقد خالف علي بن المبارك سنداً ومتناً كما ذكرنا.

أما السند، فذكر أبا سلمة مكان عبد الرحمن بن يعقوب.

وأما المتن، فانه أسقط منه تفسير (المفردون) وزاد قوله:

((يضع الذكر ... )).

فلا جرم أن قال أحمد وغيره:

((حدث عن يحيى وغيره بأحاديث مناكير)).

ولذلك قال البيهقي عقبه:

((والإسناد الأول أصح)).

وللحديث طريق أخرى، ويرويه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: (جمدان)، فقال:

((سيروا هذا حمدان، سبق المفردون)). قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيراً والذكرات)).

رواه مسلم (8/ 63) والبيهقي (1/ 313 – 314).

غريب الحديث:

1 - (المفردون): أي المنفردون. قال ابن الأثير:

((يقال: فرد برأيه، وأفرد، وفرد، استفرد، بمعنى انفرد به)).

قال النووي رحمه الله:

((وقد فسرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)، وتقديره: و الذاكراته، فحذفت الهاء كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآي؛ ولأنه مفعول يجوز حذفه. وهذا التفسير هو مراد الحديث)).

2 - (يهترون): أي يولعون. قال ابن الأثير:

((يقال: (اهتر فلان بكذا واستهتر فهو مهتر به ومستهتر) أي مولع به لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره)).

(تنبيه): كان من دواعي تخريج هذا الحديث أنه وقعت هذه اللفظة في (الشعب) هكذا (يهتزون) بالزاي، بحيث تقرأ (يهتزون)، فبادرت إلى تخريجه وضبط هذه اللفظة منه، خشية أن يبادر بعض الصوفية الراقصة، إلى الإستدلال به على جواز ما يفعلونه في ذكرهم من الرقص والاهتزاز يميناً ويساراً، جاهلين أو متجاهلين أنه لفظ محرف. وقد يساعدهم على ذلك ما جاء في ((شرح مسلم)) للنووي: ((وجاء في رواية: ((هم الذين اهتزوا في ذكر الله)). أي لهجوا به)) وكذلك .. جاء في حاشية ((مسلم- استانبول)) نقلاً عن النووي:

على أنه لو صح لكان معناه: يفرحون ويرتاحون بذكر لله تبارك وتعالى كما يؤخذ من مادة (هزز) من ((النهاية)) فهو حينئذ على قوله صلى الله عليه وسلم: ((أرحنا بها يا بلال)) أي بالصلاة. وهو قريب من النعنى الذي قاله النووي. والله أعلم.

وبهذه المناسبة لا بد من التذكير نصحاً للأمة، بأن ما يذكره بعض المتصوفة، عن علي رضي الله عنه أنه قال وهو يصف صحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

((كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح)).

فاعلم أن هذا لا يصح عنه رضي الله عنه، فقد أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (1/ 76) من طريق محمد بن يزيد أبي هشام: ثنا المحاربي عن مالك بن مغول عن رجل من (جعفي) عن السدي عن أبي أراكة عن علي.

قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم.

1 - أبو أراكة، لم أعرفه، ولا وجدت أحداً ذكره، وإنما ذكر الدولابي في ((الكنى)) (أبو أراك) وهو من هذه الطبقة، وساق له أثراً عن عبد الله بن عمرو، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً كعادته.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015