مزاحم، والحسن البصري، وقتادة، وفاطمة بنت الحسين، وأبو جعفر الباقر وغيرهم، وقد أخرج هذه الآثار الموقوفة وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في ((الدر المنثور)) (3/ 141 - 145)، وأخرج بعضها الشوكاني في ((فتح القدير)) (2/ 251 - 252)، ومن قبله الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (2/ 261 - 264)، وخرجت أنا حديث عمر في ((الضعيفة)) (3070) وصححته لغيره في ((تخريج شرح الطحاوية) (266)، وحديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (204و205 - بتحقيقي)، وصححته أيضاً هناك (ص267)، وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعاً، وقد سبق برقم (49)، وعن أنس، وسبق برقم (172) وهو متفق عليه، فهو أصحها وفيه:

((إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً؟ فيقول: نعم. فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيتْ إلا أن تشرك بي)).

إذا عرفت هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث والآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها:

((فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم)).

قلت: وليس الأمر كما نفى، بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث:

الأول: حديث أنس هذا، ففيه كما رأيت قول الله تعالى: ((قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً)). قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (6/ 284):

((فيه إشارة إلى قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم) الآية)).

قلت: ولفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير بالوقف إنما هو: أخذ من ظهره .... ))، فأي فرق بينه وبين لفظ حديث أنس الصحيح؟!

الثاني: حديث عمر بلفظ: ((ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ... )).

الثالث: حديث أبي هريرة الصحيح: (( .... مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة .... )).

الرابع: حديث هشام بن حكيم: ((إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم .... )).

الخامس: حديث أبي أمامة: ((لما خلق الله الخلق وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشمال بشماله، فقال: ... ألست بربكم، قالوا: بلى .... )).

ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضاً في كتاب ((الروح)) (ص161) بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة:

((وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية- فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه)).

وقد أفاض جداً في تفسير الآية وتأويلها تأويلاً ينافي ظاهرها بل ويعطل دلالتها أشبه ما يكون بصنيع المعطلة لآيات وأحاديث الصفات حين يتأولونها، وهذا خلاف مذهب ابن القيم رحمه الله الذي تعلمناه منه ومن شيخه ابن تيمية، فلا أدري لماذا خرج عنه هنا لا سيما وقد نقل (ص163) عن الأنباري أنه قال:

((مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وصلب أولاده وهم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل ذلك للبعير لما سجد، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دُعِيَت)).

كما نقل أيضاً عن إسحاق بن راهويه:

((وأجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، وأنه استنطقهم وأشهدهم)).

قلت: وفي كلام ابن الأنباري إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية والحديث وهو قوله: ((إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده)).

وإليه ذهب الفخر الرازي في ((تفسيره)) (4/ 323)، وأيده العلامة ملاَ على القاريء في ((مرقاة المفاتيح)) (1/ 140 - 141) وقال عقب كلام الفخر:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015