</< رضي الله عنه> ثم ازداد شعوري بضرورة تلك الدراسة والتمحيص كلما نشر بعض القائمين على أحد المساجد، أو بعض المقيمين في نطاق الحرمين الشريفين، شيئًا من النشرات السنوية بأنهم رأوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام، وقال لهم كيت وكيت، وأن يبلغوا الناس ونحو ذلك، مما ينشره بعض المستغلين للمشاعر الدينية عند عامة المسلمين ودهمائهم.</< رضي الله عنه>

وكم سمعنا من بعض المريدين من أتباع بعض شيوخ الطرق الصوفية أنه يفعل كذا وكذا من عبادات أو عادات، لأن شيخه أخبره أنه رأى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمره بذلك.

قد يكون الشيخ صادقًا في أنه رأى ما رأى في منامه، ولكن يبقى هذا بابًا مفتوحًا لاستغلال عقول السذج، ويبقى السؤال مطروحًا: وهو: ما قيمة رؤياه هذه في ميزان علم الشريعة؟

بعد أن وهبنا الله تعالى من المعرفة ومفاتيحها ما نستطيع أن نخرج به من دائرة الاعتماد المطلق على ما نسمع من شيوخنا الأوائل، وأصبحنا متمكنين أن ننطح المصادر بأنفسنا، وأن نرد الموارد الأصلية، ونغوص فيها ونمحص، رأيت أن أسلك الطريق العلمية الصحيحة في دراسة ما يتعلق بهذا الحديث النبوي الشريف، حديث رؤيا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام.

</< رضي الله عنه> فعمدت قبل كل شيء إلى النظر في سنده وصحته، فإن كان ضعيفًا فقد كفيت العناء، فإذا بي أجد أنه صحيح ومروي من طرق عديدة من عدد من كبار الصحابة رضي الله عنهم، بصيغ وألفاظ مختلفة في بعضها لكنها متقاربة. وقد أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.</< رضي الله عنه>

ووجدت أن علماء الحديث المحققين، كالعلامة ابن حجر في فتح الباري يتفقون مع الفقهاء في أنه لا تؤخذ الأحكام من هذه الرؤيا، وأن من رأى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منامه يأمره بفعل أو ينهاه فعليه أن يعرض ذلك على أصول الشريعة وقواعدها التي قررها الفقهاء فما وافقها من رؤياه جاز له فعله، وما لا فلا.

وبعد لأي ما وجدت لنفسي التعليل وارتضيته، وهو أن الله تعالى لم يتعبدنا بأخذ الأوامر والنواهي من الرؤيا المنامية مهما كانت، وإنما تعبدنا بأخذ الأحكام والأوامر والنواهي من النصوص، نصوص الكتاب والسنة. وليس في هذا رد لحديث الرؤيا الثابت، ولكن مع التسليم بحصة هذا الحديث، ليست الرؤيا هي الطريق المشروع لأخذ الأحكام، وتلقي الأوامر والنواهي، فلا إشكال.

آراء الشراح في معنى هذا الحديث: </< رضي الله عنه>

شراح هذا الحديث النبوي لهم في تفسيره كلام كثير وتصويرات عديدة ويمكن تصنيفهم إجمالاً إلى فريقين:

ـ فريق المتحفظين الذين يحددون المقصود بهذا الحديث النبوي، ويقيدون شموله، فيقولون: إن المراد بهذا الحديث من يرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منامه على صورته المعروفة، جريًا مع الرواية التي جاء فيها: "فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي".

وهؤلاء يفسرون المراد بصورته المعروفة أن يكون الرائي رآه في صورة تتفق مع ما ورد من أوصافه الجسمية، وحليته وهيئته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

فأما إذا رآه على حالة مخالفة، كما لو رآه أبيض الشعر مثلا فلا عبرة لرؤياه.

وينقل العلامة ابن حجر دليلا على ذلك يؤيده هو، ما أخرجه الحاكم عن عاصم بن كليب، قال حدثني أبي، قال: قلت لا بن عباس: إني رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام قال صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال ابن عباس: قد رأيته. قال ابن حجر: وسند هذا الحديث جيد.

وفي طليعة هذا الفريق من الشراح المتحفظين: محمد بن سيرين، ثم القاضي عياض وهم لا يقيدون مدلول هذا الحديث النبوي بزمان ولا بأشخاص، وإنما يقتصرون على تقييده بأن يرى الرائي الرسول على صورة لا تخالف أوصافه المنقولة ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

الفريق الثاني: هم الموسعون وهم الذين يرون أن المراد بهذا الحديث أن كل من رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام فإنه يراه حقيقة، سواء كانت رؤياه إياه على صفته المعروفة أو على غيرها.

</< رضي الله عنه> وفي طليعة هذا الفريق المازري والنووي، وقد تعقب النووي ما قاله القاضي عياض قال ما نصه:</< رضي الله عنه>

" هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أن يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015