ولزمه في ذلك أن يبحث عن طريقة لتوهين الحول وتضعيفه في الزكاة، مع أنه لم يعترض عليه، عند بحثه في شروط الزكاة، أو في الزكوات الأخرى: زكاة النقود والأنعام وعروض التجارة.

هذا مع أن المال المستفاد لم يوصف بهذا الوصف إلا بالاستناد إلى المال الحولي. فهو واقع ضمن الحول، وليس على رأسه. وخلاف الفقهاء فيه: هل يضم إلى النصاب، ويكون حوله حول النصاب، أم يفرد له حول مستقل؟ لا أدري كيف وجهه القرضاوي وجهة أخرى، بعيدة عن الحول، وقاضية عليه؟ مع أن تزكية المال المستفاد فور استفادته مناقضة تمامًا لتزكيته في الحول، كالفرق بين زكاة الدخول وزكاة الثروات، أو بين الزكاة على الدخل والزكاة على رأس المال. فهل نلغي الحول لأجل المال المستفاد؟ أم نلغي المال المستفاد لأجل الحول؟ إنهما لا يجتمعان. ثم إن كل الأموال أصلها أموال مستفادة، فإما أن نطبق الزكاة على المال الحولي أو على المال المستفاد. فإذا جمعنا بينهما كان هناك ثِنَى (ازدواج). فزكاة الرواتب تتناقض مع زكاة النقود. فإذا تم فرضهما معًا، أدى هذا إلى الثنى. وبما أن زكاة النقود ثابتة، كان من المناسب اعتمادها دون زكاة الرواتب. وإذا فرضت زكاة الرواتب، كان لابد من إعفاء الموظفين والعمال من زكاة النقود، مع أنها ثابتة.

وقد بين أبو عبيد أن ما تأخذه الدولة من العطاء، أو من العُمالة (الراتب)، ليس زكاة للمال المستفاد، وإنما هي زكاة مال آخر، استحق أداؤها، فتم تنزيلها من العطاء، على سبيل المُقاصَّة. وقد اتهم القرضاوي رأي أبي عبيد بالتكلف والتعسف (فقه الزكاة 1/ 499)، مع أن العكس هو الصحيح.

ولعل الذي أوقع القرضاوي في الوهم هو أن الزكاة كانت تقتطع من الرواتب (العمالات) أو الأرزاق أو الجوائز أو العطايا، فحسبها القرضاوي زكاة على الراتب، وهي زكاة مال آخر، تقتطع من الراتب. (وفي مداخلة للدكتور عبد العظيم إصلاحي رأى أنه يجب التفرقة بين العطايا من جهة والرواتب والأجور من جهة)، فقد ينظر إلى العطايا على أنها أشبه ما تكون بالركاز، ومن ثم بزكاة الزروع والثمار. وربما كان القرضاوي يريد المصادقة على ضريبة الرواتب والأجور، فاستبدل لفظ الزكاة بلفظ الضريبة، ليس إلا. ولماذا قال بزكاة المال المستفاد في الرواتب والأجور، ولم يقل بزكاة المال المستفاد في الأنعام، والنقود، وعروض التجارة؟

يقول القرضاوي، بمناسبة كلامه عن زكاة كسب العمل: " إن الفلاح الذي يزرع أرضًا مستأجرة يؤخذ منه ( ... ) 10 % أو 5 % من غلة الأرض، إذا بلغت 50 كيلة مصرية (5 أوسق = 653 كغ)، بمجرد حصاد الزرع وتصفية الخارج. أما مالك الأرض نفسه الذي قد يقبض في ساعة واحدة مئات الدنانير أو آلافها، من كراء هذه الأرض، فلا يؤخذ منه شيء ( ... )، لأنهم يشترطون أن يحول الحول على هذه المئات أو الآلاف " (فقه الزكاة 1/ 506).

جوابه أن هذه المسألة تتعلق بدخل المال (كسب الأرض)، أي بالمستغلات، ولا تتعلق بدخل العمل الذي يتحدث عنه القرضاوي هنا. وإذا اعتبرنا أن زكاة الزروع والثمار هي حق الغلة والأرض معًا، فيمكن أخذ حصة مالك الأرض من الزكاة مع زكاة الغلة، بدون حولان حول. ولا نسمي هذه الزكاة زكاة دخل عمل، أو زكاة مال مستفاد، بل نسميها زكاة زروع وثمار، وزعت على المكلفين بها حسب القواعد.

وذكر القرضاوي أن العمال والموظفين، إذا لم تؤخذ منهم الزكاة على طريقته، فإنهم يسرفون. ولكن هذا ينطبق أيضًا على زكاة الأنعام، وزكاة الزروع والثمار. قال تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) سورة الأنعام 141. فقد دعاهم إلى عدم الإسراف في الأكل والإنفاق، كي لا يكون الإسراف ذريعة للتهرب من الزكاة. (وفي مداخلة للدكتور سعد اللحياني تساءل عن شرط الحول: هل يؤدي إلى الإسراف)؟

وإذا كان قصد الشيخ القرضاوي أن تكون الزكاة على الرواتب والأجور زكاة حولية، كما يفهم من كلامه في عدد من المواضع (ص 513 و 515)، رجعت الزكاة زكاة على النقود، لا زكاة على الرواتب. وعندئذ لا أحد يخالفه، ولا يحتاج في ذلك إلى توهين الحول، ولا إلى التعسف في فهم المال المستفاد، وغير ذلك من العمليات الجراحية.

وقد نقل الدكتور القرضاوي عن الأساتذة (عبد الرحمن حسن، ومحمد أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف) هذا النص: " أما كسب العمل ( ... ) فإنه يؤخذ منه زكاة، إن مضى عليه حول، وبلغ نصابًا ". لكن هل هذه زكاة على كسب العمل، أم زكاة على النقود؟

نعم لو شاء أحد أن يزكي مالاً مستفادًا فور استفادته، على سبيل الصدقة النافلة، فهذا حسن ولا بأس فيه، ولكن ليس هو موضع بحثنا، وهو الزكاة الإلزامية.

ثم إن الموظفين والعمال كانوا موجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن تفرض زكاة على رواتبهم وأجورهم، بل كانت تفرض زكاة على نقودهم، إذا فضل منها فضل، وبلغ النصاب، وحال عليه الحول. كما أن الفقهاء بوبوا أبوابًا لزكاة النقود ولزكاة الأنعام ولزكاة الزروع والثمار ولزكاة عروض التجارة وغيرها، ولم يبوبوا أي باب لزكاة دخل العمل أو الرواتب والأجور.

أريد أن أنوه هنا إلى أن البروفيسور موريس آليه كتب مقالاً في مجلة " لوفيغارو" الفرنسية 1/ 7/1989م، بعنوان: " يجب إلغاء جميع الضرائب على الدخول "، ودعا إلى فرض ضريبة على رأس المال، بمعدل نسبي غير تصاعدي 2 – 5ر2% (انظر أيضًا كتابه: الضريبة على رأس المال، وكتابه: من أجل إصلاح ضريبي). وهو إصلاح باتجاه الإسلام، وبعكس اتجاه الغرب.

يبدو لي أن الشيخ القرضاوي قد قرر التوسع في أموال الزكاة، ثم بحث عن أدلة لتأييد قراره المسبق. وهذا كمن يقرر التضييق في أموال الزكاة، ثم يستدل لما أراده. فهذا كله من الأحكام المسبقة، وليس من باب الاستدلال الصحيح. وإذا جاز أن نسمي هذا اجتهادًا، فإن الاجتهاد على هذه الصورة يصبح سهلاً.

الأربعاء في 12/ 1 / 1425 هـ

03/ 3 / 2004 م د. رفيق يونس المصري

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015