والثاني: بم يخرج المسلم عن الإسلام، بحيث يصير مرتداً؟

فأما الجواب عن الأول:

فهو أن الكافر يدخل في الإسلام، ويثبت له حكمه بالإقرار بالشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) فمن أقر بذلك بلسانه دون قلبه ثبت له حكم الإسلام ظاهراً، و إن أقر بذلك ظاهراً و باطناً كان مسلماً على الحقيقة و معه أصل الإيمان، إذ لا إسلام إلا بإيمان، و لا إيمان إلا بإسلام.

و هذا الإقرار الذي تثبت به حقيقة الإسلام يشمل ثلاثة أمور: تصديق القلب، وانقياده، ونطق اللسان؛ و بانقياد القلب و نطق اللسان يتحقق الإقرار ظاهراً و باطناً، و ذلك يتضمن ما يعرف عن أهل العلم بالتزام شرائع الإسلام؛ و هو الإيمان بالرسول صلى الله عليه و سلم و بما جاءه به و عقدُ القلب على طاعته، فمن خلا عن هذا الالتزام لم يكن مقراً على الحقيقة.

فأما التصديق: فضده التكذيب و الشك و الإعراض.

وأما الإنقياد: فإنه يتضمن الاستجابة، والمحبة، والرضا والقبول، وضد ذلك الإباء، و الاستكبار و الكراهة لما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم.

و أما النطق باللسان: فضده التكذيب و الإعراض، فمن صدق بقلبه و كذب بلسانه فكفره كفر جحود، و من أقر بلسانه دون قلبه فكفره كفر نفاق.

فنتج عن هذا ستة أنواع من الكفر كلها ضد ما يتحقق به أصل الإسلام و هذه الأنواع هي:

1 - كفر التكذيب.

2 - كفر الشك.

3 - كفر الإعراض.

4 - كفر الإباء.

5 - كفر الجحود.

6 - كفر الإعراض.

و من كفر الإباء و الاستكبار: الامتناع عن متابعة الرسول صلى الله عليه و سلم، و الاستجابة لما يدعو إليه، و لو مع التصديق بالقلب و اللسان، و ذلك ككفر أبي طالب، و كفر من أظهر الاعتراف بنبوة النبي صلى الله عليه و سلم من اليهود و غيرهم.

وأما جواب السؤال الثاني:

وهو ما يخرج به المسلم عن الإسلام بحيث يصير مرتداً، فجماعه ثلاثة أمور:

الأول: ما يضاد الإقرار بالشهادتين، و هو أنواع الكفر الستة المتقدمة، فمتى وقع من المسلم واحد منها نقض إقراره و صار مرتداً.

الثاني: ما يناقض حقيقة الشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله):

أ- فحقيقة شهادة أن لا إله إلا الله: الكفر بالطاغوت و الإيمان بالله، و هذا يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة:

توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء و الصفات.

و هذا يتضمن الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء و مليكه، و أنه ما شاء كان، و ما لم يشأ لم يكن، و انه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، و أنه الموصوف بكل كمال والمنزه عن كل نقص، وأنه كما وصف نفسه و كما وصفه رسوله صلى الله عله و سلم من غير تعطيل ولا تمثيل، على حق قوله تعالى (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير) الشورى:11.

و إقراده مع ذلك بالعبادة، و البراءة من كل ما يعبد من دونه.

و جملة ما يناقض التوحيد امور:

1 - جحد وجود الله، وهذا شر الكفر و الإلحاد و هو مناقض للتوحيد جملة، و منه القول بوحدة الوجود.

2 - اعتقاد أن مع الله خالقاً، ومدبراً، و مؤثراً مستقلاً عن الله في التأثير و التدبير، و هذا هو الشرك في الربوبية.

3 - اعتقاد أن لله مثلاً في شيء من صفات كماله، كعلمه، وقدرته.

4 - تشبيهه تعالى بخلقه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، كقول المشبه: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويدخل في ذلك وصفه بالنقائص كالفقر و البخل و العجز، و نسبة الصاحبة و الولد إليه.

5 - اعتقاد أن أحداً من الخلق يستحق العبادة مع الله، و هذا هو اعتقاد الشرك في الألهية، و لو لم يكن معه عبادة لغير الله.

و هذه الأمور الخمسة كلها تدخل في كفر الاعتقاد و شرك الاعتقاد.

6 - عبادة أحد مع الله بنوع من أنواع العبادة، و هذا هو الشرك في العبادة سواء اعتقد أنه ينفع و يضر، أو زعم أنه واسطة يقربه إلى الله زلفى، و من ذلك السجود للصنم.

و الفرق بين هذا و الذي قبله أن هذا من باب الشرك العملي المناقض لتوحيد العمل الذي هو إفراد الله بالعبادة، و ذاك من باب الشرك في الاعتقاد المنافي لاعتقاد تفرد الله بالإلهية و استحقاق العبادة.

و لما بين الاعتقاد و العمل من التلازم صار يعبر عن هذا التوحيد بتوحيد الإلهية، وتوحيد العبادة، وعن ضده بالشرك في الإلهية، أو الشرك في العبادة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015