وبعد العصور المتقدمة والاعتماد على المخطوطات والكتب القديمة ظهرت الطباعة ولنستصحب منع الكتابة في أول الأمر لأثر الكتابة على الحفظ. ظهرت الطباعة في أوروبا والأستانة ثم في سوريا وبيروت ثم في مصر وغيرها من بلدان المسلمين وخشي العلماء في هذه الحقبة على التحصيل العلمي من التأثر لسهولة الحصول على الكتب. لما كانت الخشية في أول الأمر من الكتابة في أنها تؤثر على الحفظ , الآن خشي من الطباعة أن تؤثر على التحصيل , كيف؟ التجربة أثبتت أنه كلما سهل الحصول على الكتابة أو على المعلومة ضعفت الإفادة. هذا شيء مجرب. خشي العلماء على التحصيل من جراء الطباعة فأفتى علماء الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية. هذا أول ما بدأت الطباعة , أذنوا بطباعة كتب التاريخ والأدب واللغة وغيرها أما الكتب الشرعية فلا تجوز طباعتها. كان العالم أو طالب العلم في السابق إذا احتاج إلى كتاب اضطر إلى نسخه , ومعاناة الكتابة - وهذا شيء جربناه وجربه غيرنا - أفضل من القراءة مرارا. فأنت إذا احتجت إلى كتاب لابد أن تكتب الكتاب أو تستعيره وتنسخه أو تستعيره وتقرأه وتدون ما يهمك منه. هل هذا مثل أن تذهب إلى مكتبة وتشتري كتاب وترصه مع إخوانه في الأدراج؟ أنا أقول كتابة كتاب عن قراءته عشر مرات. لا أبالغ إذا قلت هذا.

السائل: هذا ممكن في الكتب الصغيرة اليسيرة. أو بعض الفوائد فهل يمكن مثلا " فتح الباري" يكتب يا شيخ؟!

الشيخ: بعد الطباعة لا يمكن. لكن قبل الطباعة ممكن. وقد كُتِب مرارا. وشخص ما أدركناه أدركنا أحد أولاده يقول إن أباه يكتب كل يوم نسخة من النونية. والنونية 5820 بيتا وكل نسخة بريال وهو يقتات من هذا النسخ. نعم إذا لم يكن لديه الأهلية للتحصيل مجرد وراق قد لا يستفيد. لكن إذا كان من أهل العلم ولديه أرضية ولديه أهلية للتحصيل واحتاج إلى هذا الكتاب لما فيه من علم ونسخه لا شك أن مثل هذا يقع موقعه في القلب.

بعد أن اضطر الناس إلى الإقرار بالواقع. الأمر الواقع الذي فرض نفسه من الطباعة. أفتى العلماء بجواز طباعة الكتب الشرعية وطبعت لكن أثرها على التحصيل ظاهر. لاشك أن الطباعة نعمة والحواسب الآلية - التي يأتي الحديث عنها - نعمة. لكن لا تكون على حساب التحصيل. يعني لا يعتمد الإنسان اعتماداً كلياً عليها ويقول أنا اقتنيت فتح الباري أو تفسير ابن كثير أو الطبري أو القرطبي ثم ماذا؟ وبعض الطلبة عنده تفسير ابن كثير ولم يقرأه أبدا.

طبعت الكتب الشرعية وأجمع الناس على جوازها والإفادة منها وأثرها على التحصيل ظاهر. قد يقول قائل هي نعمة فلماذا تمنع؟ نقول هي تيسرت والحمد لله ونقر بأنها نعمة وكذلك الحواسب الآلية نعمة لكن نستفيد منها بقد ما يعيننا على تحصيل العلم منها ولا نعتمد عليها اعتمادا كليا.

بعد الطباعة وتجاوزنا مرحلة الطباعة واقتنى الناس الكتب ورصوها في الخزائن وبعض الناس اقتنى ألوف مؤلفة من الكتب ومات ولم يطلع على شيء منها إلا العناوين. يأتي ويرتبها وينظفها وهذا قبل هذا , وهذا بعد هذا. هذه العناية مفيدة في شيء واحد وهي أن السوس والأرضة تؤمن بإذن الله بسبب تقليبها يميناً وشمالاً من درج إلى درج لكن التحصيل أين؟

قد يقول قائل إن معرفة الكتب ومعرفة الطبعات فن. نقول فن لكن ليس فن غاية لكنه فن وسيلة إلى غيره. جاءت الحواسب الآلية التي جمعت من العلوم والمعارف على أقراص صغيرة ما لم يحلم به عالم أو متعلم , أشياء مذهلة لا نبالغ إذا قلنا إن بعض العلماء من المتقدمين قبل الطباعة مثل الحواسب في حفظهم يعنى من يحفظ 700.000 حديث. أكبر برنامج للسنة فيه 523.000 حديث يعنى رأس هذا الشيخ أحسن من هذا , وليس آلة جامدة صماء إذا صحف الخبر ما خرج. يفيد يجمع طرق يقدم يؤخر ويرتب ويستنبط ويعلم ويعمل. صار طالب العلم إذا احتاج إلى أي معلومة في أي فن من الفنون بعد هذه الحواسب ما عليه إلا أن يضغط زر يصل بواسطته إلى ما يريد بأسرع وقت. وهذا أيضا على حساب التحصيل العلمي لأن العلم متين لا يستطاع براحة الجسم كما قال يحيى بن أبي كثير.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015