مسألة ; قال: (ومن وجب عليه حق , فذكر أنه معسر به , حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته) وجملته أن من وجب عليه دين حال , فطولب به , ولم يؤده , نظر الحاكم ; فإن كان في يده مال ظاهر أمره بالقضاء , فإن ذكر أنه لغيره , فقد ذكرنا حكمه في الفصل الذي قبل هذا , وإن لم يجد له مالا ظاهرا , فادعى الإعسار , فصدقه غريمه , لم يحبس , ووجب إنظاره , ولم تجز ملازمته , لقول الله تعالى {: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لغرماء الذي كثر دينه: {خذوا ما وجدتم , وليس لكم إلا ذلك.} ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه , وعسرته ثابتة , والقضاء متعذر , فلا فائدة في الحبس. وإن كذبه غريمه فلا يخلو , إما أن يكون عرف له مال أو لم يعرف , فإن عرف له مال لكون الدين ثبت عن معاوضة , كالقرض والبيع , أو عرف له أصل مال سوى هذا , فالقول قول غريمه مع يمينه. فإذا حلف أنه ذو مال , حبس حتى تشهد البينة بإعساره. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم , يرون الحبس في الدين , منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله بن الحسن وروي عن شريح , والشعبي. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء , ولا يحبس. وبه قال عبد الله بن جعفر , والليث بن سعد ولنا أن الظاهر قول الغريم , فكان القول قوله , كسائر الدعاوى. فإن شهدت البينة بتلف ماله , قبلت شهادتهم , سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أو لم تكن ; لأن التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم. وإن طلب الغريم إحلافه على ذلك , لم يجب إليه ; لأن ذلك تكذيب للبينة , وإن شهدت مع ذلك بالإعسار اكتفي بشهادتها , وثبتت عسرته , وإن لم تشهد بعسرته , وإنما شهدت بالتلف لا غير , وطلب الغريم يمينه على عسره , وأنه ليس له مال آخر , استحلف على ذلك ; لأنه غير ما شهدت به البينة. وإن لم تشهد بالتلف , وإنما شهدت بالإعسار , لم تقبل الشهادة إلا من ذي خبرة باطنة , ومعرفة متقادمة لأن هذا من الأمور الباطنة , لا يطلع عليه في الغالب إلا أهل الخبرة والمخالطة. وهذا مذهب الشافعي وحكي عن مالك أنه قال: لا تسمع البينة على الإعسار ; لأنها شهادة على النفي , فلم تسمع , كالشهادة على أنه لا دين عليه. ولنا , ما روى قبيصة بن المخارق , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له {: يا قبيصة , إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة , فحلت المسألة حتى يصيبها , ثم يمسك , ورجل أصابته جائحة , فاجتاحت ماله , فحلت له المسألة , حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش , ورجل أصابته فاقة , حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش.} رواه مسلم وأبو داود. وقولهم: إن الشهادة على النفي لا تقبل. قلنا: لا ترد مطلقا , فإنه لو شهدت البينة أن هذا وارث الميت , لا وارث له سواه قبلت , ولأن هذه وإن كانت تتضمن النفي , فهي تثبت حالة تظهر , ويوقف عليها بالمشاهدة , بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له , فإن هذا مما لا يوقف عليه , ولا يشهد به حال يتوصل بها إلى معرفته به , بخلاف مسألتنا. وتسمع البينة في الحال , وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا تسمع في الحال , ويحبس شهرا , وروي ثلاثة أشهر , وروي أربعة أشهر , حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره. ولنا , أن كل بينة جاز سماعها بعد مدة , جاز سماعها في الحال , كسائر البينات , وما ذكروه لو كان صحيحا لأغنى عن البينة. فإن قال الغريم: أحلفوه لي مع يمينه أنه لا مال له , لم يستحلف في ظاهر كلام أحمد لأنه قال , في رواية إسحاق بن إبراهيم في رجل جاء بشهود على حق , فقال الغريم استحلفوه: لا يستحلف ; لأن ظاهر الحديث: " البينة على المدعي , واليمين على من أنكر ". قال القاضي: سواء شهدت البينة بتلف المال أو بالإعسار وهذا أحد قولي الشافعي ; لأنها بينة مقبولة , فلم يستحلف معها , كما لو شهدت بأن هذا عبده , أو هذه داره. ويحتمل أن يستحلف. وهذا القول الثاني للشافعي لأنه يحتمل أن له مالا خفي على البينة. ويصح عندي إلزامه اليمين على الإعسار , فيما إذا شهدت البينة بتلف المال , وسقوطها عنه

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015